سيد محمد طنطاوي
107
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
التي أمركم - سبحانه - بدخولها ، ولا ترجعوا القهقرى منصرفين عن القتال خوفا من أعدائكم ، ومبتعدين عن طاعتي وأمرى ، فإن ذلك يؤدى بكم إلى الخسران في الدنيا والآخرة ، وإلى الحرمان من خيرات الأرض التي أوجب اللَّه عليكم دخولها . قال ابن جرير : فإن قال قائل : وما كان وجه قول موسى لقومه إذ أمرهم بدخول الأرض المقدسة : * ( ولا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ) * . أو يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضا جعلت له ؟ قيل : إن اللَّه - تعالى - كان أمره بقتال من فيها من أهل يستوجب الخسارة من لم يدخل أرضا جعلت له ؟ قيل : إن اللَّه - تعالى - كان أمره بقتال من فيها من أهل الكفر به ، وفرض عليهم دخولها ، فاستوجب القوم الخسارة بتركهم فرض اللَّه عليهم من وجهين : أحدهما : تضييع فرض الجهاد الذي كان اللَّه فرضه عليهم . والثاني : مخالفتهم أمر اللَّه في تركهم دخول الأرض المقدسة » « 1 » . هذا ، وقد جاءت هذه الجملة الكريمة ، وهي قوله - تعالى - : * ( ولا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ) * تحمل طابع التحذير الشديد ، وتنذرهم بالخسران المبين إذا لم يستجيبوا لأمر اللَّه بعد أن ساق لهم موسى ألوانا من المشجعات والمرغبات في الجهاد ، وذلك لأنه - عليه السلام - كان متوقعا منهم الإحجام عن القتال ، بعد أن جرب عنادهم وعصيانهم ونكوصهم على أعقابهم في مواطن كثيرة ، فهذه التجارب جعلته وهو يأمرهم بدخول الأرض المقدسة يذكر لهم أكبر النعم ويسوق لهم أكرم الذكريات وأقوى الضمانات وأشد التحذيرات لكي يقبلوا على الجهاد بعزيمة صادقة . ولكن بني إسرائيل هم بنو إسرائيل ، مهما قيل لهم من ألوان الترغيب والترهيب فإن همتهم الساقطة وعزيمتهم الخائرة ، وطبيعتهم المنتكسة لم تتركهم فقد قالوا لنبيهم متذرعين بالمعاذير الكاذبة : * ( يا مُوسى إِنَّ فِيها قَوْماً جَبَّارِينَ وإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ ) * وقوله : * ( جَبَّارِينَ ) * جمع جبار « والجبار صيغة مبالغة من جبر الثلاثي . ويطلق في اللغة على الطويل القوى العاتي الذي يجبر غيره على ما يريد . مأخوذ من قولهم : مخلة جبارة أي : طويلة لا ينال ثمرها بالأيدي . أي : قال بنو إسرائيل لنبيهم موسى - عليه السلام - إن الأرض التي وعدتنا بدخولها فيها قوم متغلبون على من يقاتلهم ، ولا قدرة لنا على لقائهم وإنا لن ندخل هذه الأرض المقدسة التي أمرتنا بدخولها ما دام هؤلاء الجبارون فيها ، فإن يخرجوا منها لأي سبب من الأسباب التي لا شأن لنا بها ، فنحن على استعداد لدخولها في راحة ويسر ، وبلا أدنى تعب أو جهد .
--> ( 1 ) تفسير ابن جرير ج 1 ص 173